أحمد بن يحيى العمري
43
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
موعده ، كان ذلك إنعاما يقع عند معترف بوقعه ، مستنفذ في الطاعة غاية وسعه . ومنه قوله « 1 » : لولا خبرتي بفضله السائر ، وإنعامه المنجد الغائر ، لاستربت فيما يحكي ، وامتريت فيما يروي ؛ ولكن ما خلا عصر من جواد وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ « 2 » فإنه - أبقاه الله - وإن تصرفت الأحوال ، وتشعبت الأقوال ، كالغمام لا يقطع سقياه ، ولا يستطيع أحد برد حياه ؛ وللرأي الشريف مزيد علوه في الإنعام ، بتأوّل ما أوضحته ، والتّطوّل بما اقترحته . ومنه قوله : رزء تساهم فيه الأنام ، وأظلمت ليومه الأيام ، واستغرب عنده الحمام ، وعزّي فيه الدهر بكافل أبنائه ، وندب فيه شقيق السحاب ، فاستعبر بدموع أنوائه . ومنه قوله « 3 » : وصل من المجلس - أكمل الله سعوده وأكمد حسوده - كتاب اتسم بالمكرمة الغرّاء ، وابتسم عن النعمة العذراء ؛ ووجدت بما ألحف من الجميل ، وأتحف من التجميل ، ما كانت أطماعي تهفو إليه ، وآمالي تحوم حواليه ؛ إذ ما زلت مذ استميلت وصف المناقب الشريفة ، أبعث قلمي على أن يفاتح ، وأن يكون الرائد لي والماتح ، وهو ينكص نكوص الهيوبة ، وينكل نكول الكهام عن الضريبة ، إلى أن بديت وهديت ، ورأيت كيف يحيي الله ويميت ، فلم يبق بعد أن أنشط
--> ( 1 ) رسائل الحريري 8 ب . ( 2 ) سورة الرعد : 7 . ( 3 ) رسائل الحريري 72 أب .